محمود:
كَشُرْفَةٍ سَقَطَتْ بِكُلِّ زُهورِها!
للشاعر مريد البرغوثي
في هالةٍ تحمي حياء كامنا،ً
وبكبرياءِ خُطاهُ في المنفى وأرضِ عذابِهِ،
تسري مَوَدَّةُ قَلبِهِ قمَراً يضيء، بغير إلحاحٍ،
على أحبابِهِ.
وبه اندهاشٌ
يوقظ المألوفَ من إغمائه وكأنّه
يُخفي طفولتَهُ وراء شَبابِهِ.
العقل فيه مغامرٌ،
والقلب هيّاب يفرّ من التمادي في الهوى،
وصفاءُ عينيهالصباحيُّ احتفالٌ بالقصائدِ،
والقصائدُ لا تُرَدُّ ببابِهِ،
خذنا إلى الكُحليِّ يا بحرَ البلادِ
وطُفْ بنا في العالم المفتوحِ
أَسْمِعْهُ ارتعاشَتَنا
وقِصَّتَنا المقيمةَ في دفاتر شاعرٍ
مذ غَيَّبَتْهُ الارضُ سلّمت العيونُ بما رأَتْ
وقلوبُنا لم تعترِفْ بغيابِهِ.
وكأنه إذ ماتَ أَخلَفََ ما وَعَدْ.
وكأننا لُمْناهُ بعضَ الشيء يومَ رحيلهِ.
وكأنّنا كنّا اتّفقْنا أن يعيشَ إلى الأبدْ!
"محمود إبنُ الكُلِّ" قالتأمُّهُ،
وتراجعتْ عن عُشبهِ، خَفَراً، لتندفعَ البَلَدْ.
يا ويحها حوريةٌ،
هل أدركَتْ أنّ البلادَ لتوّها
قد ودَّعَتْ من كل عائلة وَلَدْ؟
محمودُ نامَ هنا ومَرَّتْ حَفنةٌ عبر الحواجز
من تراب البَروَة الممنوعِِ
لانتْ تحت دهشته ونامَ،
وفوق تلٍّ لا يُطِلُّ على الجَليلِ
رأيتُ غيْماتٍ قِصارَ العُمرِ
تبدو ثم تضمِرُها السماءُ، كأن أبيضَها
يصاحبهإلى عنوان غرفتهِ الأخيرةِ
كي يؤثثها، فيرضى عن أناقةِ ما يَرى.
كلُّ الطقوس تعطَّلَتْ فيها
فلا قَلَمٌ يضيف إلى الفراشَةِ ما سيُدهِشُها من الأوصافِ،
لا القرآنُ فوق الحامل الأرابيسك قُرْبَ البابِ
لا سيجارةٌ في الدُّرْجِ يخفيها حياءً من صديقٍ
لا مُسَوَّدَةٌ يمزِّقُها بلا أسفٍ
ولا كتبٌ منسقةُ الرفوفِ وراء مقعده الأليفِ
ولا صباحَ هنا ليكتبَ
لا مساءَ ليقرأ الإغريقَ ثانيةً ويحسِدَهُمْ
لأنَّ هناك في الأوليمب آلهةً
تعيد توازنَ الدنيا إذا مالتْ على أبطالِها.
متران أو أدنى قليلاً
فوق تَلِّ لا يُطِلُّ على الجليلِ
وغرفةٌ،
هذي الأكاليلُ المقامَةُ فوقَها
وركاكةُ الخُطَباء مِن أقفالِها.
ماذا سيأخذُ منك قبرُكَ في بلادٍ كنت أطلقتَ
الخيال كهدهدٍ يطوي الجهاتِ
لكي يحيطََ بحالِها.
لاحقتَ سارقها- عدوَّكَ،
لُمْتَ حاكمَها - صديقََكََ،
عاتَبَتْكَ للحظةٍ أو لحظتينِ، لغلطةٍ أو غلطتينِ
وسامَحَتْكَ مَدى الزّمانْ.
"هو واضح حيناً، وحيناً غامض"
قالتْ،
ولكن راقَها سِحْرُ البيانْ.
وهوى الفِراقُ
كشرفة سَقَطَتْ بكلِّ زُهورِها
فَتَجَرَّحَتْ بالعِطرِ أرجاءُ المكانْ.
لا بُدَّ مِن يومٍ كهذا
كي نرى في كل فلسفة غياب كَمالِها،
وهنا يزوغ يقينُنا والشكُّ أو يتثبّتانْ.
وهنا تَساوى العابدونَ بكل ما عَبَدوا
أمام فِرار لُغزِِ الكوْنِ مِن لمسِ البَنانْ.
شَرْقُ الزَّمانِ وغَرْبُهُ في دَمْعَةٍ يتَشابَهانْ.
نُصِبَ الكمينُ لنا كأبهى ما يكونُ
ونحن نركضُ نحوه كي نتقيه سُدىً
ونركضُ،
كل إفلات إلى حينٍ. وهذا اليومُ حانْ.
وخدَعْتَني.
لاقيتَ موتَكَ مرة ونجوتَ منهُ
لكي أصدِّقَ، بالتمنّي والسذاجةِ،
أنه خَسِرَ الرِّهانْ.
وعجبتُ بَعدَكَ
كيف أحيا بعضَ أحيانٍ،
وكيف أموتُ مِن آنٍ لآنْ.
هذا كتابُك في يدي بعد الغيابْ.
شِعرٌ تُوَقِّعُهُ بموتكَ غيرُه في حفلةِ التوقيعِ:
تقرأ خلف موسيقى من الإصغاءِِ والتصفيقِِ،
"مبروك كتابُك"، ثم يبتسمون،
"وقِّع لي هنا"، "وقِّع لأختى وابنِها أيضاً"
وأنت تُوَقِّعُ اسمَكَ خَلْفَ طاولةٍ من السَّهَرِ الأنيقِ،
وخلسةً،
يتسلل الموتُ الخفيُّ إليكَ كُرسيّاً فكُرسيّاً
وفي صمتٍ
يقودُكَ من يساركَ نحو داركَ كي
يشاركَ ما تبقّى من مسائك أو نهارِكَ
يا وحيداً باختيارِكَ واضطراركَ
فالفلسطينيُّ يختار اضطراراً كي يصدق أنه حُرٌّ
ووحدك كنت، أكثر من تَخَيُّلِنا،
كم استدرجتَ موتَك كي تُحَوِّلَهُ إلى لُغةٍ،
إلى إسمٍ فينسى فِعلَهُ يومَيْنِ أو عامَيْنِ،
كم حاورتَهُ ورَسَمْتَهُ وكتبتَهُ، فاوَضْتَهُ،
أوْقَفْتَهُ في آلة التصويرِ، قلتَ له ابتسمْ
لتكون أحلى، أنت أحلى داخل الإيقاعِ،
أحلى في سطوري من نواياكَ، ابتسِمْ
لم يبتسم
لم ينس ضيفُكَ دَورَهُ.
وألومُ نفسي
حين أبصر صوتَكَ المكتوبَ في غَبَشِ النهايةِ
فالمعاني الآن غيَّرَتِ الكتابْ!
هبط الغِطاءُ على البيانو
أطفأوا أنوارَ مسرحِنا وراحوا
ران صمتٌ في المدينة كلِّها
عاد الجميعُ من العزاء وأغلقوا الأيام خلف نهارهم
لم ينتصف ليلُ المدينةِ بعدُ
قلتُ أزورُه وحدي وأسهرُ قُربَهُ
"خذني إلى محمود" قلتُ لسائق التاكسي
فأوصلني بصمتٍ حيث تغفو فوق ربوتك الأخيرةِ
لم يقل حرفاً
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ